صالح حميد / عبد الرحمن ملوح

30

موسوعة النضرة النعيم في مكارم أخلاق الرسول الكريم ( ص )

بعد النسيان إلى هذه المرحلة من التدرج والارتقاء شيئا فشيئا ، فقد أوتي حكمة من عند اللّه ، وعرف حكمة هذا الابتلاء يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشاءُ وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً وَما يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُوا الْأَلْبابِ « 1 » . ويتأكد هذا المعنى للابتلاء بقوله سبحانه : إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذا مَسَّهُمْ طائِفٌ مِنَ الشَّيْطانِ تَذَكَّرُوا فَإِذا هُمْ مُبْصِرُونَ « 2 » . فالتذكر يورث البصيرة ، والمقصود به هنا - كما يقول ابن كثير - أنهم تذكروا عقاب اللّه وجزيل ثوابه ، ووعده ووعيده ، فتابوا وأنابوا واستعاذوا باللّه ورجعوا إليه من قريب « 3 » . 6 - تمحيص القلب وتزكيته : إذا كان العقل مناط التفكير والتدبر والتذكر ونحو ذلك ، فإن القلب محل الإيمان والمحبة والخشوع والخشية ونحو ذلك مما يسمى أعمال القلوب « 4 » ، وهناك تأثير وتأثر بين الأعمال العقلية والأعمال القلبية ، فالقلب يتلقى ذلك النور الناتج عن المعرفة العقلية الفطرية ، أي تلك التي فطر اللّه الناس عليها من حب اللّه تعالى وعبادته وحده ، فإذا تزكت الفطرة بلا فساد كان القلب عارفا باللّه محبا له « 5 » ، وأعمال القلوب هذه هي آكد شعب الإيمان ، وصلاح سائر الأعمال منوط بصلاح القلب ، ذلك أن أعمال القلوب هي الأصل ، وأعمال الجوارح تبع « 6 » ، يقول العز بن عبد السلام : مبدأ التكاليف كلها ومصدرها القلب ، وصلاح الأجساد موقوف على صلاح القلوب ، وفساد الأجساد موقوف على فساد القلوب « 7 » . إن كل ما ذكره العلماء في صلاح القلوب أو فسادها مستمد من قوله صلّى اللّه عليه وسلّم : « ألا إن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله وإذا فسدت فسد الجسد كله ، ألا وهي القلب » « 8 » . إن للابتلاء دورا عظيما في تمحيص القلب أي تخليصه من الشوائب غير الإيمانية ، فإذا تمحص القلب وخلص قويت فيه دواعي الخشية والخوف والرجاء ونحو ذلك من الأحوال المحمودة ، وإذا قويت هذه ضعفت للتو واللحظة أحواله المذمومة من نحو الوسوسة والغيظ والكبر والنفاق ونحوها مما يعرف بأمراض القلوب ، وهي أعظم من أمراض الجسم ، وقد عقد ابن تيمية موازنة مهمة بين النوعين : مرض الأجساد ومرض القلوب فقال : كما أن الإنسان إذا صار لا يسمع بأذنه ، ولا يبصر بعينه ، ولا ينطق بلسانه ، كان ذلك مرضا مؤلما له لما يفوته من المصالح ويحدثه من المضار ، فكذلك إذا لم يسمع ولم يبصر ولم يعلم بقلبه الحق من الباطل ولم يميّز بين الخير

--> ( 1 ) البقرة / 269 . ( 2 ) الأعراف / 201 . ( 3 ) تفسير ابن كثير ( 2 / 290 ) ، وانظر صفة التذكر . ( 4 ) ذكر ابن تيمية ضمن أعمال القلب - وهي كثيرة - محبة اللّه ورسوله ، والتوكل على اللّه وإخلاص الدين له والخوف منه ، والرجاء له وما يتبع ذلك ( الفتاوى 10 / 6 ) . ( 5 ) السابق 10 / 135 . ( 6 ) معالم السلوك وتزكية النفوس ، ص 67 . ( 7 ) قواعد الأحكام للعز بن عبد السلام ( 1 / 167 ) . ( 8 ) هذا جزء من حديث النعمان بن بشير ، انظره كاملا في صفة الصلاح ( 6 / 2603 ) ، وقد خرّجناه هناك .